ابن كثير
293
البداية والنهاية
ولما بلغ المأمون هذه الأبيات - وهي قصيدة طويلة - عارض فيها أبا نواس فتطلبه المأمون فهرب منه ثم أحضر بين يديه فقال له : ويحك فضلت القاسم بن عيسى علينا . فقال : يا أمير المؤمنين أنتم أهل بيت اصطفاكم الله من بين عباده ، وآتاكم ملكا عظيما ، وإنما فضلته على أشكاله وأقرانه . فقال : والله ما أبقيت أحدا حيث تقول : كل من في الأرض من عرب * بين باديه إلى حضره ومع هذا فلا أستحل قتلك بهذا ، ولكن بشركك وكفرك حيث تقول في عبد ذليل : أنت الذي تنزل الأيام منزلها * وتنقل الدهر من حال إلى حال وما مددت مدى طرف إلى أحد * إلا قضيت بأرزاق وآجال ذاك الله يفعله ، أخرجوا لسانه من قفاه . فأخرجوا لسانه في هذه السنة فمات . وقد امتدح حميد ابن عبد الحميد الطوسي : إنما الدنيا حميد * وأياديه جسام * فإذا ولى حميد * فعلى الدنيا السلام ولما مات حميد هذا رثاه أبو العتاهية بقوله : أبا غانم أما ذراك فواسع * وقبرك معمور الجوانب محكم وما ينفع المقبور عمران قبره * إذا كان فيه جسمه يتهدم وقد أورد ابن خلكان لعكوك هذا أشعارا جيدة تركناها اختصارا . ثم دخلت سنة أربع عشرة ومائتين في يوم السبت لخمس بقين من ربيع الأول منها التقى محمد بن حميد وبابك الخرمي لعنه الله ، فقتل الخرمي خلقا كثيرا من جيشه ، وقتله أيضا وانهزم بقية أصحاب ابن حميد ، فبعث المأمون إسحاق بن إبراهيم ويحيى بن أكثم إلى عبد الله بن طاهر يخيرانه بين خراسان ، ونيابة الجبال وأذربيجان وأرمينية ومحاربة بابك ، فاختار المقام بخراسان لكثرة احتياجها إلى الضبط ، وللخوف من ظهور الخوارج . وفيها دخل أبو إسحاق بن الرشيد الديار المصرية فانتزعها من يد عبد السلام وابن جليس وقتلهما . وفيها خرج رجل يقال له بلال الضبابي فبعث إليه المأمون ابنه العباس في جماعة من الأمراء فقتلوا بلالا ورجعوا إلى بغداد . وفيها ولى المأمون علي بن هشام الجبل وقم وأصبهان وأذربيجان . وفيها حج بالناس إسحاق بن العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس . وفيها توفي أحمد بن خالد الموهبي ( 1 ) .
--> ( 1 ) في تقريب التهذيب الذهبي ، ويقال الواهبي . الحمصي الكندي أبو سعيد راوي المغازي عن ابن إسحاق وكان مكثرا حسن الحديث .